القاضي عبد الجبار الهمذاني
53
المنية والأمل
بن إبراهيم أبي عثمان الأدبي ، وكان عالما فاضلا ، زاهدا جدلا ، حاذقا في مسائل الكلام ، ومنهم ، أبو مسعود عبد الرحمن العسكري ، كان مقدّما في الكلام ، والحديث . ومنهم أبو خلدة ، وكان شيخا مقدما في الكلام ، وكان مذهبه مذهب ( معمر ) في أفعال الطبائع ، لا في المعاني . قيل : وكان يقول بشيء من الارجاء ، وقيل إنه الذي وجهه هارون إلى الهند للمناظرة ، فدس إليه خصمه من سمّه في الطريق . حكى أبو الحسن الخياط ، أن بعض ملوك الهند كتب إلى الرشيد فقال : « ليوجّه إلي رجل من علماء المسلمين ليعرفنا الاسلام » ، وذكر أن عنده رجلا ، من أهل علم الكلام حتى يحاجه ، فوجه إليه رجل من المحدثين ، شيخا بهيا ، وكتب إليه : « إني قد وجهت أليك شيخا عالما » ، فخاف الرجل الهندي ، الذي كان عند الملك ، أن يكون من أهل الكلام فيفضحه ، فوجه إليه رجلا في السر . ليتعرف خبره ، فلقيه في الطريق ، فوجده صاحب حديث ، فرجع إلى صاحبه ، فأخبره به ، فتسرّ بذلك ، فلما ورد على الملك ، جمع بينه وبين صاحبه ، وجمع علماء أهل مملكته ، فقال له الهندي : « ما الدليل على أن دينك حق ؟ » فقال المحدث : « حدثنا سفيان الثوري « 1 » هكذا وحدثنا الشعبي بكذا ، وحدثنا ابن عون بكذا » ، والهندي ساكت . فلمّا أتى على ما أراد ، قال له الهندي : « من أين علمت أن هذا الّذي روى لك هذه الروايات عنه صادق فيما ادعاه من النبوة ؟ » فتلا آيات من القرآن نحو قوله تعالى : « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ « 2 » » ، فقال له الهندي : « ومن أين علمت أن هذا الكلام من عند اللّه ، ولعل صاحبك وضعه ، فلم يدر ما يقول وسكت ، فأجازه الملك . وكتب إلى هارون يخبره ، وذكره أن الذي وجهه لا يصلح لما أردناه ، وانّما نريد رجلا متكلما ليحتج لأصل دينه ولأصل الاسلام ، فلما ورد الكتاب والمحدث على هارون قال : « أطلبوا لي متكلما » ، فوجدوا أبا خلدة ، فقيل له « أتثق بنفسك في مناظرته » ؟ فقال : « أنا له إن شاء اللّه تعالى » ، فوجّه به الرشيد في مركب ، وكتب إلى ملك الهند : « إني قد وجهت إليك رجلا متكلّما من أهل ديني » ، فلما كان في بعض الطريق وجه الهندي إليه من
--> ( 1 ) الامام سفيان الثوري توفى سنة 161 ه . رحمه اللّه ( أنظر ترجمته ص 28 ) . ( 2 ) 29 م الفتح 48 .